السيد كمال الحيدري
295
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
التالي : « الأمور على خمسة أقسام : ما هو خير محض ، وما خيره أكثر من شرّه ، وما يتساوى خيره وشرّه ، وما شرّه أكثر من خيره ، وما هو شرّ محض . ولا يوجد شئ من الثلاثة الأخيرة ؛ لاستلزامه الترجيح من غير مرجّح ، أو ترجيح المرجوح على الراجح . ومن الواجب بالنظر إلى الحكمة الإلهية المنبعثة عن القدرة والعلم الواجبين والجود الذي لا يخالطه بخلٌ أن يفيض ما هو الأصلح في النظام الأتمّ ، وأن يوجد ما هو خير محض وما خيره أكثر من شرّه ، لأنّ في ترك الأوّل شرّاً محضاً ، وفى ترك الثاني شرّاً كثيراً . فما موجود من الشرّ نادر قليل بالنسبة إلى ما يوجد من الخير ، وإنّما وجد الشرّ القليل بتبع الخير الكثير » « 1 » . هكذا تنتهى الأطروحة الأرسطية إلى أنّ خيرات العالم تفوق شروره التي هي بالعرض ، ولو ترك الله سبحانه إيجاد الوجود الذي يترتّب عليه شرّ قليل للزم من ذلك عدم إيجاد الخير الكثير . وبتعبير أحد المعاصرين : « إنّ خيرات العالم تفوق هذه الشرور التي هي بالعرض ، ويعدّ ترك الخير الكثير لئلّا يحصل الشرّ القليل خلاف الحكمة ونقضاً للغرض » « 2 » . الأطروحة الثالثة : تداخل جهات الخير والشرّ لو ركن الإنسان إلى الاستقراء الذي يتّسع مداه بتنامى القدرة العلمية على التتبّع وممارسة الدراسة والبحث ، لوجد أنّه حتّى هذا الشرّ القليل الذي تترتّب عليه خيرات كثيرة ، هو خير من جهات أخرى . نقرأ في نصّ دالّ على الأطروحة : « لهذه الشرور القليلة والنسبية والتي هي بالعرض فوائد جليلة ، وكلّما ازداد علم الإنسان اتّسعت
--> ( 1 ) هكذا نقله الطباطبائي منسوباً إلى أرسطو . ينظر : بداية الحكمة ، ص 313 . كذلك : الميزان في تفسير القرآن ، ج 13 ص 188 والنصّ في المتن عن المصدر الثاني . ( 2 ) المنهج الجديد في تعليم الفلسفة ، مصدر سابق ، ج 2 ، ص 491 .